كريم نجيب الأغر

601

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

قولنا ( ولا تدرك إلا بالتجربة أو وسائل مادية ) : في هذا المقام نبيّن الفرق بين العالم الفذّ الذي اكتشف بعض الحقائق الكونية بعد جهد جهيد ، وبين النبي أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي تكلم عنها ، فالعالم خلال رحلة اكتشافه للحقائق الكونية قد استعمل من الوسائل المادية مثل المجهر ، أو الحاسوب ، أو أدوات أخرى كالاختبارات ، ما يخوله التنقيب عن الحقائق العلمية ، كما أنه سهر الليالي يطالع الكتب ، ويفكّر ، ويتأمّل ، حتى يصل إلى نتيجة سليمة ، وأخطأ في كثير من الأحيان ، وأصاب في أحيان أخرى ، وارتكز في كثير من الأحيان على التخمين ، وبنى عليه ، وهذا ما يسمى بالنظريات العلمية ( ومن كان له شك في هذا الكلام فليطالع مبحث « ثقافة العالم القديم والحديث في علم الأجنة » حتى يتبيّن له صحة ادعائنا ) ، بينما جاء الأنبياء بمعجزاتهم من دون أن يستعملوا أدوات مادية ، كما أنه في كثير من الأحيان كانت المعجزات تحصل على أيديهم فجأة من دون أن يستطيع أحد أن يتهم أنهم حضّروا لها . ونروي لهذا الغرض قصة الحبر اليهودي الذي جاء يسأل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن عوامل إيناث أو إذكار الجنين . ففي الحديث أن ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كنت قائما عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاء حبر من أحبار اليهود ، فقال : السلام عليك يا محمد . . . جئت أسألك عن شيء لا يعلمه من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان ، قال : ينفعك إن حدثتك ؟ ، قال : أسمع بأذني ، قال : جئت أسألك عن الولد ، قال : ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا ، فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن اللّه ، وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن اللّه ، قال اليهودي : لقد صدقت وإنك لنبي ، ثم انصرف وذهب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني اللّه به » [ أخرجه مسلم ح 9 ] . في هذه الرواية يتبيّن لنا أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان في كثير من الأحيان يجيب عن أسئلة الذين يفدون عليه من غير سابق إعلام ، على حين غفلة ، وهو لا يعلم سابقا الأسئلة التي ستطرح عليه . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يجيب مباشرة ، بدون أن يلجأ إلى دراسة المواضيع المطروحة عليه ، وبدون أن يستعمل وسائل مادية تمكّنه من معرفة الحقيقة العلمية ، ويردّ عليها بدقة ، وبعبارات محبوكة السبك ، وبوحي من اللّه عزّ وجلّ ، وهو مقرّ بعجزه لولا المدد الربّاني له . ونفهم من كلامنا السابق أن الخوارق - سواء أكانت مادية ، أو معنوية - التي حصلت على أيدي الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - لا تعدّ سبقا زمنيا فقط ،